ابن جماعة

34

المختصر الكبير في سيرة النبي محمد ( ص )

المنهج التأريخي عن القاضي ابن جماعة القارئ لكتاب السيرة هذا يرى في القاضي ابن جماعة كما قال عنه العلماء إنه المؤرخ الواعي ، وشيخ المحدثين ، وبركة المسلمين ، والقاضي المتفحص البارع الناقد ، ويتضح ذلك جليا من خلال ما أثبته من مصادر في كتابه هذا ، وإنه قد رزق من اللّه عز وجل حسّا تاريخيا مرهفا ، كانت له انعكاساته النقدية في ثنايا ما اختصره من أحداث وموضوعات في السيرة النبوية ، مما يكشف عن العامل الرئيسي في توجيه أحداثها وموضوعاتها ، كما تظهر براعته في وصف الحوادث ، واستحسانه لبعض التصرفات ، والإفصاح عن مدى عاطفته تجاه أحداث السيرة النبوية ومن قبلها تجاه النبي ( صلى اللّه عليه وسلم ) ومدى حبه له ، ومواطن العبر والعظات ، كما تظهر جهوده العلمية في هذا الكتاب من خلاف نقده للروايات وبيان الصحيح منها ، وما عليه جمهور العلماء ، ومدى الخلاف الّذي ظهر حول بعضها ، بحيث يمكن تصنيف النقد التأريخي عنده على النحو التالي : 1 - الكشف عن العامل الرئيسي في توجيه الحوادث : من خلال تصفح كتاب السيرة هذا ، أو أي كتاب يتناول حياة النبي محمد ( صلى اللّه عليه وسلم ) ، نجد أن العامل الرئيسي في توجيه هذه الأحداث النبوية ألا ينقطع كل مسلم عن سيرة رسول اللّه ( صلى اللّه عليه وسلم ) ولو للحظات من النهار أو الليل ، ويظل إشراق النبوة يسربل النفس المؤمنة ، ويعينها على أن تستمد من السيرة النبوية أخلاقها وشمائلها ، كي تحقق منطلقات وجودها ، وقواعد انتمائها ، وحاضر حياتها ومستقبل أمتها . إن توجيه الأحداث ليسلك بنا السبيل الواضح إلى بيان أن هذه السيرة العطرة هي مقدمة هذه الأمة وأصل جذورها ، بكل ما فيها من أحداث ودلالات ، ومن هذه الجذور استمد الصحابة الكرام والسلف الصالح حياتهم بكل ما فيها من جهاد ومشقة . كما يسلك بنا هذا التوجيه السلوك السوى الّذي يجعلنا نؤمن بأن السيرة النبوية ستظل رافدا أصيلا من روافد هذا الدين الإسلامي ، وأنها تملأ القلوب فتحيى فيها كل فضيلة ، وأنها تنير النفوس فتمحو منها كل ظلمة ، فإذا ما أراد المسلم ان يصل نفسه بأصل من أصول انتمائها فعليه أن يصلها بسيرة النبي محمد ( صلى اللّه عليه وسلم ) ، وذلك من خلال أحداث هجرته العظيمة ، أو غزواته المباركة ، أو صفاته أو أخلاقه أو معجزاته ، أو معاملاته مع المسلمين وغير المسلمين ، ( صلى اللّه عليه وسلم ) .